علائق العلم والدین فی العالم المعاصر استاد دکتر مهدی گلشنی
اننا، تیسیراللامر، نتبنى هذا التقسیم ونتناول كلا منهابالشرح والتوضیح:
1. التعارض
هناك فریقان یقولان بالتعارض بین العلم والدین: المادیون والمتعصبون للنصوص تعصبا مفرطا . كلا الفریقین یرون ان هناك تعارضا جادا بین العلم والقصائد الدینیة، وهم یبحثون عن علم قائم على قواعد مكینة . ففریق یعتمد على المنطق و تعطیه التجارب . و یستند الفریق الآخر على ظاهر الكتاب المقدس الذی لا یخطئ، و كلا الفریقین یتغاضیان عن حدود العلم . یبدا المادیون من العلم لیصلوا الى الاحكام الفلسفیة لعالم الشمول، ویبدا «الكتابیون» من الكتب الدینیة ثم یصدرون احكاما فی المواضیع العلمیة . یرى المادیون ان الاسلوب العلمی هو وحده السبیل الموثوق به فی اكتساب المعرفة، ویعتقدون ان العلم بفرده قادر على توضیح كل شی، وبناء على ذلك فلا یبقى مكان للدین، كما یقول واینبرگ:
اعتقد ان من اهم الاكتشافات هو قدرتنا على التقدم كثیرا فی تفسیر العالم، من دون تدخل الله، فی علم الحیاة والعلوم الطبیعیة . (2)
انهم یعتبرون المادة هی الحقیقة الاساس فی العالم، وغالبا مایعتقدون بالتحویل (تحویل جمیع القوانین الى قوانین فیزیائیه، تحویل الكل الى الجزء، او تحویل كل شی الى مادة .) مقولتهم هیانه یمكن اختزال كل شی، بالتفاعلات الآلیة، كما یقول مونو:
یمكن تحویل كل شیء الى تفاعلات آلیة واضحة . فالخلیة آلة . الحیوان آلة . الانسان آلة . (3)
وهو یقول ایضا:
المصادفة وحدها منشا الابتكارات، والخلق كله فی حمایة المحیط الحیوی . biosphere (4) اما المتدینون المتشددون فیجعلون الاصالة فی ظاهر النصوص الدینیة، ویتركون العلم الذی یتعارض مع ذلك فمثلا، فی نظریة التكامل، جرت مناقشات كثیرة فی امیركا . وفی سنة 1981 صودق على قانون فی ولایة تكساس فرض على المدارس تدریس «الخلق» و «التكامل» بدرجة واحدة . وبعد سنة قامت محكمة اعلى بالغاء ذلك القانون، باعتبار انه یناقض فصل الكنیسة عن الدولة .
2. الاستقلال
یعتقد بعضهم ان العلم والدین یعملان مستقلین فی میدانین مختلفین، وان لكل منهما حقله، واسلوبه، وهدفه، و - كما یقولون - لغته الخاصة به .
موضوع الدین هو الله، وموضوع العلم هو الطبیعة .
یعرف الله عن طریق الوحی، وتعرف الطبیعة بالحواس والعقل .
هدف الدین التقرب الى الله، وهدف العلم ادراك كیفیة الخلق .
لغة العلم لغه التنبؤ والسیطرة، ولغة الدین لغة الدعاء والعبادة اذن، ما دام العلم والدین مختلفین من حیث الموضوع، او الهدف، او الاسلوب، او اللغة، او فیها كلها، فلا مكان للتعارض بینهما .
یرى بعض العلماء ان میدان العلم هو دراسة الطبیعة، ومیدان الدین هو الاخلاق، ویرى بعضهم ان مواضیعهما مختلفة، فالعلم یسال: ماذا وكیف؟ والدین یسال: لماذا؟
هذا الفریق من العلماء والباحثین لمؤمنین بالله یولفون الاكثریة، وكثیر منهم یعمل بالاحكام الدینیة، الا ان علاقة العلم مع الدین عندهم تبدو كما لو كان علمهم یقع فی زاویة اذهانهم، وفی زاویة اخرى یقع الدین . وبدیهى انه اذا كان هناك ای تعارض بین علمهم ودینهم فانهم لا یهتمون به، او انهم لا یریدون ان یهتموا .
3. التعامل
یرى هؤلاء ان بین العلم والدین ارضیة مشتركة للحوار وانهما یمكن ان یتبادلا التجارب لمصلحتهم . فالعلم یطرح، مثلا، بعض الاسئلة عن بدء العالم ونهایته، دون ان یستطیع هو نفسه الاجابة عنها . هنا یمكن للالهیات ان تقدم العون . ان الاسئلة الخاصة ببدء العالم ونهایته والتی تطرح فی علم الكونیات تدخل ضمن هذا الاطار . ان المؤمن بالله یستطیع ان یقول ان الله هو المسؤول عن نظام الكون المعقول . جون پول الثانی، البابا الحالی، یرى ان التعامل بین العلم والدین ضروری لكی یؤدی كلاهما وظائفهما على الوجه الصحیح، اذ بغیر هذا التعامل یصبح العلم مخربا، والدین عقیما . انه یعتقد ان كلا منهما یجب ان ینظر الى منجزات الآخر بعین مفتوحة:
یستطیع العلم ان یجنب الدین الخطا والانحراف، ویستطیع الدین ان یحذر العلم من عبادة الاصنام والتصورات المطلقة الباطلة، وكل منهما یستطیع ان یجتذب الآخر الى عالم اوسع، عالم یتیح للطرفین المزید من الازدهار . (5)
ولكن هذا الفریق یرى ان العلم والدین، فی محاوراتهما، یجب ان یحافظ كل منهما على مبادئه واسالیبه .
وهناك ایضا من یقول ان بین هذین توازیات اسلوبیة . فالعلم یتمسك بالاستدلال فقط، والدین لا یرتبط بالمرجعیة فقط . ثم ان مؤرخی العلم قد اكدوا ان دور التقالید فی العلم لا یقل عن دورها فی الالهیات، كما ان دور المرجعیة فی العلم لایمكن التغاضی عنه، كما یزعمون . كذلك الایمان لا یختص بالدین، بل هو موجود فی العلم ایضا (ای الایمان بوجود عالم خارجی وبنظامه وبامكان ادراكه .) لذلك یقول پلانك:
مكتوب على المدخل الى العلم: علیكم ان تؤمنوا، فتلك خصوصیة لا یمكن للعلم ان ینكرها . (6)
ان التعامل بین هذین الاثنین یحررهما من الافراط والتفریط، فالمؤمنون بالدین یحذرون التعامل السطحی مع النصوص الدینیة، والعلماء التجریبیون یتحررون من اصدار الاحكام المطلقة ومن عبادة الاصنام .
یعتقد بعض المتكلمین المسیحین، مثل پاننبرغ W . Punnenberg ، ان وجهة النظر العلمیة عن العالم، اذا خلت من الالهیات تعتبر ناقصة، اذ ان فهم الكون من دون ارجاعه الى الله لیس متیسرا. (7)
4. الوحدة
یعتقد اصحاب وحدة العلم والدین انهما یتبینان نظریة المعرفة و علم الوجود فیما یتعلق بحقائق ما وراء عالم الانسان . اننا لا یمكن ان نسر بكلام غیر مترابط، اذا ما كانا یرجعان الى عالم واحد . اذا شئنا ان نصوغ تعبیرا واحدا مناسبا عن تجاربنا باجمعها علینا ان نبحث عن وجهة نظر موحدة عن العالم . اننا لا نجرب الحیاة بصورة اجزاء مستقلة، بل نجربها ككل . ان العلم والدین (او بعبارة ادق: العلم والالهیات) كلیهما فی مقام بیان عالم واحد، وذلك لان:
هدف العلم هو كشف النظام فی الطبیعة، وهذا النظام هو ما نعبر عنه بالقوانین العلمیة .
وهدف الدین هو فهم معنى العالم وغایته وما موضعنا فیه . ان الدین فی الواقع یعتبر للعلم ارضیة مما وراء الطبیعة، وهو یسوغ الراى القائل بان العلم نتاج قابل لكی یعتمده العقل، كما یقول هنری مارگنو (الفیزیائی والفیلسوف) :
العلم بحاجة الى الدین لكی یسوغ منشاه وانجازاته. (8)
وكما یقول آرثر شالو (الفیزیائی وحائز على جائزة نوبل) :
حقل الدین من الحقول الواسعة للنشاط العلمی . وبلغة المزمور 19 ، السماء تكشف عن عظمة الله، والسماء تبین صنع الله . اذن فالبحث العلمی عبادة لانه یكشف عن المزید من عجائب خلق الله . (9)
العلم یعطینا صورة متتاغمة ومنسجمة عن العالم الطبیعی، ولكنه یطرح بعض الاسئلة التی لا تصل یده الى اجوبتها، انما الاجابات الممكنة هی التی یقدمها الدین . مرة اخرى یقول آرثر شالو:
الاسئلة الخاصة بالمبادی یجب على العلماء تتبعها الى الحد الذی تسمح به قدرتهم وتجیزه لهم، ولكن هذه الاسئلة لن تكون نهائیة ابدا . اما الاسئلة الاعمق فلا بد من الرجوع فیها الى الدین . (10)
ویقول چالز تاونز (الفیزیائی والحاصل على جائزة نوبل) :
اعتقد اننا اذا نظرنا خلال المنظور العلمی فحسب، فان السؤال بشان البدایة یبقى بدون جواب . لذلك اعتقد ان هناك حاجة الى توضیح دینی او مما وراء الطبیعة، هذا اذاكان لابد من توضیح. (11)
من هذا المنظور، العلم والالهیات یسعیان سعیا حثیثا لفهم عالمنا وانفسنا، ولكل منهما منظوره الخاص، الا ان وجوه الاشتراك بینهما اكثر مما یبدو للعیان لاول وهلة، واحد هذه الوجوه هو سعة الاهداف . العلم محاولة لفهم نظام العالم، والدین سعی لفهم المعنى فی العالم . وكلاهما یبحثان عن العلاقة بین اجزاء العالم المختلفة، فاذا نجحا فی ذلك فلابد من توحدهما فی النهایة .
یرى بعضهم ان العلم والالهیات یهدفان الى شرح اشیاء واحدة باسالیب مختلفة ولاهداف مختلفة . العلم یسعى للعثور على علل الاحداث . والالهیات تسعى لبیان معانی الاحداث، وهما لا حاجة لاحدهما الى الآخر، ولكننا نحن نحتاج الیهما كلیهما لكی یحصل لدینا فهم كامل، كالمعمار الذی یرسم خرائط متنوعة للبنایة، واحدة تبین فضاء الطبقات، واخرى تبین منظر البنایة . ویطرح موضوع اتجاه الاسلاك والانابیب فی هذه الحالة كموضوع واحد . الا وصف ذلك وبیانه یختلفان عن مجموعة المفاهیم المختلفة التی نستعملها . لكل من العلم والدین مجموعة من المفاهیم المختلفة، لذلك فان لهما وجهتی نظر مختلفتین، وسبب التعارض الظاهری بینهما هو ضعف الالتفات الى طبیعة العلم الواقعیة . ان النجاحات العلمیة فی القرون الاخیرة اوجدت الكثیر من الثقة به والاطمئنان الیه وبشمولیته، فساد الاعتقاد بان العلم یستطیع بمرور الزمان تفسیر كل شی . ولكن فی القرن الاخیر اعتور اسس العلم الفلسفیة والنظریة كثیر من الشك، واخذ العلماء یحذرون من تعمیم عقائدهم لتشمل الحقول التی لم تقع تحت التجربة والاختبار .
فی هذا العالم علم و دین یبدوان متعارضین فی الظاهر، ولكنهما لیسا كذلك:
1. دور الایمان: اهمیة الایمان فی الدین معلومة ویعتبر من شواخصه . الا ان الایمان لازم للعالم ایضا، لانه ینبغی ان یؤمن بوجود نظام للعالم، وانه نظام قابل للفهم، وبدون هذا الایمان لا معنى لان نسعى لفهم عالم لا یمكن فهمه .
2. دور الالهام: الحالة الاخرى فی موضوع اختلاف العلم والدین قائمة على اختلاف طریقة الكشف فی كل منهما . العامةترى ان مكتشفات الدین غالبا ماتكون عن طریق الوحی، والمكتشفات العلمیة تكون عن طریق التجربة والاستنتاجات المنطقیة . الا ان اكثر الاكتشافات العلمیة المهمة لم تكن بالطریقة العلمیة المتداولة، وانما كانتبطریقة تسمى بالشهود او اللهام، ویرى بعض الفلاسفة انها مراتب ادنى من الوحی . یقول پوانكاره فی كتابه فهم العلم انه ادرك فی بعض اوقات فراغه عددا من النكات المهمة، فی وقت كان ذهنه فارغا منها .
3 . دور الاثبات: من الاختلافات البارزة الاخرى المطروحة هی ان العالم یثبت احكامه، بینما الدین لا یفعل ذلك، ولكن الواقع هو ان الطبیعیة الواقعیة للاثبات الریاضی تختلف عما یفترض عادة . فی الاثبات الریاضی تفترض بعض الاصول معتقدین انها منسجمة بعض مع بعض . ولكن كیف یمكننا ان نثق بانسجام تلك الاصول؟ قضیة گودل فی المنطق الریاضی تبین انه لیس من الممكن ان نبین انسجام مجموعة من الاصول مع بعضها، الا اذا لجانا الى اطار اوسع، وهناك یطرح هذا الكلام مرة اخرى .
4. دور امكان الاختبار: یقولون ان فی العلم تبطل الفرضیات بالاختبار التجربی، وهذا لا یجری فی الدین . ولكن اولا التایید بالتجریب فی العلم لیس بهذه السهولة، وثانیا بعض العقائد الدینیة قد اخضعت للتجربة والاختبار . ان الاختلاف الكمی فی تقبل الاختبار یغطى التشابه بینهما، فاحیانا تبرز تناقضات ظاهریة فی الدین، ولكن العلم ایضا یواجه احیانا التناقض .(مثل مسالة الموجة - الذرة .) ولكننا عندما نواجه هذه التناقضات الظاهریة لا نفقد ایماننا بالعلم، بل نعزو هذا التحدید الى ادراكنا .
مختصر القول هو ان العلم والدین وسیلتان لفهم العالم، ولابد فی النهایة ان یلتقیا .
قبل نحو 60 سنة اشار آلفرد نورث وایتهید، الفیلسوف الشهیر المعاصر، الى ان سیر مستقبل البشریة یعتمد على العلاقة بین العلم والدین:
«عندما نلتفت الى ماهیة دور الدین لبشر، وما هو العلم، ولانكون مبالغین اذا قلنا ان مسیرة مستقبل التاریخ یعتمد على تصمیم هذا الجیل على العلاقة بین هذین . اننا نملك هنا اقوى قوتین . . . تؤثران فی الانسان ویبدو انهما متعارضان: قوة الشهود الدینی، وقوة الدافع للملاحظة الدقیقة والاستنتاج المنطقی.» (12)
راینا فی العلاقة بین العلم والدین هو ان الاسلام لا یرى العلم فی عرض الدین بل هو على امتداده . بعبارة اخرى، نجد فی النصوص الدینیة الدعوة الى التفكر والبحث والتجربة والاختبار والسیر فی الطبیعة، لذلك فلا تعارض بینهما فی المنظور الاسلامی . ان التعارض الذی شوهد من قبل، وحتى الذی نشاهده فی الوقت الحاضر، ناجم عن اغفال النظر الى حدود العلوم التجریبیة من جانب القائمین علیها، وعن تدخل رجال الدین فی امور لیست لدیهم الصلاحیة لذلك . فی الغرب ایضا یحمل عدد من الباحثین هذه النظرة نفسها عن العلاقة بین العلم والدین . چالز تاونز، مثلا، وهو فیزیائی حاصل على جائزة نوبل) یقول:
انا شخصیا لا ارى العلم والدین منفصلان، بل اعتقد ان البحث العلمی فی العالم جانب من التجربة الدینیة . (13)
احیاء التوجه الى الدین و المعنویات فی الغرب فی الوقت الذی هجر الدین فی الاوساط العلمیة فی النصف الثانی من القرن التاسع عشر والنصف الاول من القرن العشرین، وحتى العالم المتدین لم یكن یكشف عن میول الدینیة فی محیط عمله، ولكننا فی العقود الاخیرة لاحظنا تزاید اتجاه العلما والمتخصصین فی العلوم التجریبیة نحو الدین والمعنویات، كما اصبح من السهل على العلماء ان یتحدثوا علنا عن الله . هذه الظاهرة لها عدة اسباب:
ا- اصبح معلوما ان العلم، خلوا من المعنویات والاخلاق، قد عرض حیاة الانسان الى الخطر، وان الفصل بین العلم والدین والفلسفة قد اوجد هوة بین العلم الفنی واولیات الاستفادة منه . اصبح معلوما ان العلم وسیلة للقدرة والسلطة الفنیة . ولكن السلطة على الآلة، من دون معرفة الاتجاه، تكون خطرة، وهذا الاتجاه لا یستطیع العلم ان یعینه، لذلك فان بعض الفلسفات قامتبتعیین اتجاه العلم . اما الدین فیستطیع، بمالدیه من وسائله العقلیة والقیمیة، ان یعین الاتجاه الصحیح .
ب - كشف تقدم العلم فی عصرنا انه لا یمكن اختزال المعرفة العلمیة الى مقولات آلیة . ویلكنز (الحاصل على جائزة نوبل فی الطب (1962) قال فی كلمة القاها فی 1986) :
اننی لا انفق مع المختصین فی علم الحیاة الجزیئی فی قولهم ان الحیاة بمجموعها یمكن توضیحها طبقا لعلم الحیاة الجزیئی وحده . فی نظری هذا لا یعدو ان یكون تصورا آلیا ساذجا. (14)
ج - كثیر من العلماء ادركوا ان العلوم التجریبیة غیر قادرة على تبیان جمیع ابعاد الطبیعة . ان الفنان والفیلسوف والمتكلم والشاعر وامثالهم یعطونا معلومات عن الطبیعة . وقال بعضهم ان الآلیة لا تعین وظائف علوم الحیاة و علم النفس والاخلاق . ان الانسان اكثر من جمیع اجزائها المادیة .
د - كثیر من علماء عصرنا البارزین یعتقدون ان ما یستطیع العلم تفسیره معدود، فهو لا یستطیع ان یجیب عن بعض اسئلتنا الاساس، وهی اسئلة معقولة الا ان العلم یعجز عن الاجابة عنها . هدف العلم هو العثور على التضام بین ظاهرات الطبیعیة و وصف هذا التضام انه لا یستطیع ان یقول شیئا عن الوجود، ولا ان یفسر طبیعة العلم، ولا ان یتحدث عن علل الاشیاء، كما انه لا یستطیع ان یقول: لم الاشیاء بهذا الشكل الذی هی علیه، ولا ان یبین هل للحیاة هدف ام لا؟ هذه الاسئلة التی طرحها مولانا: من ان اتیت؟ ولم اتیت؟ والى این؟ الا ترینی وطنی؟ لایستطیع العلم التجریبی الاجابة عنها . وعلى حد قول پ - كوش (الحاصل على جائزة نوبل فی الفیزیاء) :
لایستطیع العلم ان یقوم بكثیر من الاشیاء، واذا فرضنا ان العلم قادر على یجیب عن جمیع الاسئلة الفنیة، فمئآل ذلك الى الاخفاق. (15)
جاء فی مقال لاحد العلماء الانجلیز فی مجلة نیوسانتیست :
«یقول بعضهم ان العلم لا یستطیع ان یجیب عن هذه الاسئلة، لذلك فانها اسئلة لا معنى لها . و لكنی اقول ان لهذه الاسئلة معانی عمیقة، وهذا یعتمد على كیفیة تعبیرنا عن حیاتنا، وهو یكون حیثما تجعل انت لله دخلا فی الامر.» (16)
ه - بذل العلماء المسیحیون جهودا للاقتراب من العلم الحدیث و تعرفه اكثر من ذی قبل، ودرسوا المیادین المشتركة بین العلم والدین . وقد اوصى جان پول الثانی، البابا الحاضر، فی بیان له، ان یقوم علماء الدین بالتمكن من العلوم لكی یتمكنوا من الاستفادة من مصادر النظریات المعترف بها استفادة خلاقة، بغیر استعجال وبسطحیة (17) . وهذا هو السبب فی انعقاد عدد من المؤتمرات حول العلم والدین فی الغرب، اشتراك فیها علماء العلوم التجریبیة والفلاسفة والقسس .
و - لیس من شك فی ان العلوم تمنحنا القدرة والرفاه، ولكن اسباغ قداسة الدین على العلم، و وضع العلم مكان الدین، جذب اهتمام بعض العلماء الغربیین .
شواهد حیة
فی الغرب الیوم توجه ملحوظ الى الدین، الا ان هذا التوجه لم یحظ باهتمام وسائل الاعلام الاهتمام الكافی . وفیما یلی بضعة نماذج كشواهد على ذلك:
ا - علماء الفیزیاء وعلماء الكون والمنجمون الغربیون ادركوا الیوم ان من الربح لهم ان یحشروا اسم الله فی عناوین كتبهم، حتى وان لم یتطرقوا فی طی الكتاب الى الله التقلیدی . خذ، مثلا، عناوین مثل عقل الله و الله والفیزیاء الحدیثة، والسبب هو اقبال العامة على شراءامثال هذه الكتب اقبالا شدیدا، لان معظم الناس ترغب فی ان ترى مشكلة التعارض بین دینهم والعلم محلولة . لقد سبق ان قیل لهم ان علیهم ان یختاروا واحدا منهما، ولكنهم یریدونهما كلیهما . وهكذا استغل العلماء رغبة العامة هذه . قبل بضع سنوات جرى الحدیث فی امیركا عن صنع جهاز كبیر للتسریع لكی یكتشفوا بعض ذرات ما تحت النواة . وزعموا انهم بصنع ذلك الجهاز یستطیعون ان یكتشفوا الذرة الفلانیة المفترضة من جانب علماء الفیزیاء فی الذرة الاساس . وقدرت المیزانیة اللازمة لصنع ذلك الجهاز بمبلغ 13 ملیار دولار . و على اثر ذلك نشر لیون لدرمان، الفیزیائی الامیركی، كتابا تحت عنوان الله الجزیء . كان عنوان هذا الكتاب یوحی لدافع الضرائب الامیركی ان اكتشاف الذرة المذكورة سوف یفتح الطریق الى الله .
ب - فی كانون الثانی من سنة 1986 عقد فی الهند «المؤتمر العالمی للجمع بین العلم والدین» اشترك فیه اكثر من 1100 عالم فی الفیزیاء والكمیاء والاحیاء والفلسفة والالهیات وغیرهم من انحاء العالم .
ج - منذ بضع سنین افتتحت جامعة كمبریج فرعالكلام فی الالهیات والعلم . وفی سنة 1998 منحت جامعة اكسفورد مبلغ ملیون ومئة الف جنیه لتاسیس فرع العلم والدین . وكانت جامعة لیدز اول جامعة اسست مركزا للدراسات الوسطیة خاصة بالبحث فی التعامل بین العلم والدین . وفی جامعة بوسطن بامیركا وضع برنامج لاعطاء درجة الدكتوراه فی «العلم والدین والفلسفة .» (18)
د - یجری فی اوروبا وامیركا، وخاصة امیركا، تاسیس العدید من الجمعیات ومراكز البحث والتحقیق فی العلم والدین (تجد فی آخر هذا الفصل قائمة بنماذج من هذه الجمعیات والمراكز)، كما ان درس الدین والعلم دخل فی كثیر من الجامعات الامیركیة والاوروبیة، وحسبما جاء فی مجلة نیوسانتیست فان الاقبال شدید على هذا الفرع من الدراسة العلمیة. (19)
ه - منذ اكثر من عشر سنوات انشات جمعیة العلوم السیاسیة الامیركیة قسما للدین والسیاسة، ووضعت جائزة سنویة لاحسن كتاب فی هذا الباب . (20)
و - جاء فی مجلة تایم الامیركیه، فی عددها السابع لشهر نیسان 1980، ان ثورة صامتة فی التفكیر والاستدلال آخذة بالظهور، والله عائد، وان هذا یصدق اكثر على میدان الفلسفة الاكادیمیة . وقالت مجلة نیوزویك فی عددها (20) الصادر فی تموز 1998، : «ان العلم یعثر على الله» .
ز - تاسست جمعیة الفلاسفة المسیحین منذ مدة، ویحضر جلساتها الكثیرون، وهی تعقدها مرة كل ثلاث سنوات .
ح - سالت مجلة الطبیعة Nature من 1000 شخص من العلماء، فاجاب 40% من الستمائة الذین اجابوا معترفین بانهم یؤمنون بالله . بین هؤلاء كان الفیزیائیون اقل عددا والریاضیون اكثر عددا من غیرهم (21) . مثل هذا الاستفتاء جرى فی 1916، وكانوا قد توقعوا تراجع عدد الذین یؤمنون بالله نظرا لتقدم العلم، الا ان الامر لم یكن كذلك . الكاتب طرح استفتاء مجلة الطبیعة فی مؤتمر دولی على عدد من العلماء والفلاسفة الامیركانیین، فاجمعوا على ان عدد المتدینین اكثر من ذلك .
ط - فی آب من سنة 1997 عقد فی باریس مؤتمر ضخم حضره البابا بمناسبة «الیوم العالمی للشباب المسیحیین» ، وفیه رفع اكثر من ملیون شخص ایدیهم بالدعاء (22) . وقد حضر الاحتفالات الشباب الكاثولیك من اكثر من 140 بلدا، منهم بین 200 الف الى 300 الف شخص من انحاء العالم، ونحو 750 الفا من فرنسا .
ی - مضى زمان كان فیه ذكر اسم الدین فی الاوساط العلمیة (الجامعات او المجلات) یعتبر خلاف المالوف . اما الآن فالوضع مختلف . قبل مدة كتب پول دیفیس كتابا تحت عنوان الله والفیزیاء الجدیدة . وبعد سنوات نشر كتابا تحت عنوان عقل الله ذكر فیه انه بعد نشر كتابه الله والفیزیاء الجدیدة تسلم الكثیر الرسائل من الفیزیائیین المتدینین ولم یكن یخطر له ان هناك هذا العدد من الفیزیائیین المتدینین . هؤلاء كانوا یخشون من بیان عقیدتهم لئلا یحسبوا مخالفین للوضع السائد، ولكنهم راوا اخیرا ان الجو یناسب تحطیمهم حاجز السكوت .
باختصار، جرت خلال العقدین الاخیرین محاولات عدیدة فی الغرب للتقریب بین العلم والدین، كما نشرت فی هذا الباب مؤلفات قیمة .
التلخیص
راینا فی الفصل السابق ان العلم والدین كانا فی البدایة معا فی عالم الاسلام وعالم الغرب، ولم یكن بینهما ای تعارض، كما ان حملة العلوم الطبیعیة فی كلا العالمین كانوا یعتبرون البحث العلمی من العبادات . ظهور بعض الاتجاهات المضادة للعقل وسلطان بعض الحكام المتعصبین دینیا، جعلا العلوم العقلیة عموما والعلوم الطبیعیة والریاضیات خصوصا، تنكمش وتنزوی . وفی عالم المسیحیة ایضان كان ظهور الاتجاهات الفلسفیة المؤیدة للتجربة، ونجاح العلوم الباهر فی وصف مختلف الظاهرات، سبا فی جعل الانسان الغربی یعتمد على نفسه ویبتعد عن الدین، وقام العلم مقام الدین وغدا حلال المشكلات . كانوا یریدون تفسیر كل شی من دون اللجوء الى الله، واصبح الجو السائد جوا لا دینیا، بل اصبح جوا ضد الدین ففى الصفوف وفی المؤتمرات و فی الكتب العلمیة لم یكن یصح ذكر الله والدین . هذا الجو ما یزال سائدا . مایزال هناك اشخاص، مثل ریجارد داوكینز، یشبهون الدین بفیروس الكمپیوتر (23) . ان هذه الفیروسات، باصدارها امر العمل: «انشرنا» فتنتشر و فی نظرهم، الدین كذلك . مازلنا نجد بیننا فلاسفة یقولون ان علینا ان لا ندرس الدین فی الجامعات (24) ، لانها تدار باموال دافعی الضرائب، بل ینبغی ان یدرس الدین فی دروس الفلسفة والعلوم الاجتماعیة فحسب وبصورة ضمنیة، كان ینظر الیه كظاهرة اجتماعیة .
فی الاسلام العالمی اكتسب العلم یؤلف جزءا من حیاة الانسان، والتفكر، فی الآیات الالهیة عبادة، فاذا طرح موضوع تعارض الدین والعلم، او تقابلهما او ازدواجیتهما، فان ذلك امر عارض سببه انه فی القرنین او الثلاثة الماضیة كنا معرضین لهجوم ثقافی . والیوم حان الوقت للعودة الى المنظور الاسلامی للعالم وترمیم كل الانطباعات غیر الاسلامیة فی اجوائنا الثقافیة
فهرست بعض المؤسسات والجمعیات التی تقوم بالبحث فی العلم والدین
سنة التاسیس / اسم المؤسسة او الجمعیة / الدولة
1968 / معهدالمواجهةاللاهوتیة بین العلم واللاهوت / امیركا
1972 / منتدى العلم والدین / بریطانیا
1978 / جمعیةالفلاسفة المسیحیین / امیركا
1981 / مركز اللاهوت والعلوم الطبیعیة / امیركا
1985 / جمعیة العلماءالملتزمین / بریطانیا
1987 / مؤسسة جون تمپلتون / امیركا
1988 / مركز شیكاغوللدین والعلم / امیركا
1988 / مركز پاسكال للدراسات العلیا فی الایمان والعلم / كندا
1990 / الجمعیةالاوروبیة لدراسة العلم واللاهوت / السوید
1996 / مركزجورج تاون لدراسةالعلم واللاهوت / امیركا
المصادر
1. Ian Barbour, Religion in an Ageof Science (San Francisoc: Harper,1990), Part I.
2. S . Weinberg, Dreams of a Final Theory (London: Vintage,1993),P.198.
3. Ian Barbour, Religionand Science (San Francisco: Harper,1997),P.80.
4. Ibid.
5. Robert J . Russell, William Stoegerand George Coyne, Physics, hilosophyandTheology (Vatican City State Vatican Observatory,1988),P. Mll.
6. M . Planck, Where is Science Going?, trans . by J . Murphy (New York? Norton, 1932),P.214.
7. M . W . Worthing, God, Creation and Contemporary physics (Minneapolis:1996),pp. 31-32.
8. Henry Margeneauand Roy A . Varghese,eds . , Cosmos, Bios, Theos (La Salle, Illinois Open Court,1992),p.62.
9. Ibid .,p.106.
10. Ibid.
11. Ibid .,p.123
12. ALfred North Whitehead, Scienceandthe Modern Wor Ld (New York: The Free Press,1925),pp.181-82.
13. T . D. Singhand Ravi Gomatam,eds . , Synthesisof Science and Religion (Bombay: The Bhaktivadanta Institute, 1987),p.141.
14. Ibid .,p.33.
15. S . Jaki, The Relevanceof Physics (Edinburg: Scottish Academic Press,1992),p.500.
16. New Scientist,10 Aug 1996,p. MII-12.
17. R . J . Russell, W . Stoeger and G . Cogne,op . cit,p . Mll-12.
18. Science & Spirit,vol.9,no.2,p.17.
19. New Scientist,op. cit.,p.46.
20. Theology Today, July 1996,p.268.
21. Nathre,386,3 April 1977,p.435.
22 . روزنامه جمهورى اسلامى - چهارشنبه 5 شهریور 1376، ص 16 .
23. Russell Stannard, Science and Wonders (London: Faber andFaber,1996),pp. 161-63.
24. M . Mahner and Mario Bunge Is Religious Education Compatiblewith Science & Education? in Science & Education,vol. 5,no. 2, April 1996, p.120.
اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه و علي آبائه، في هذه الساعة و في کل ساعة، ولياً و حافظاً و قائداً و ناصراً و دليلاً و عيناً، حتي تسکنه أرضک طوعاً و تمتعه فيها طويلاً ×××××××××××××××××